فوزي آل سيف

78

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلنّ به رجلًا عظيمًا من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك ".[210] ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي واجه عمار تعنيفًا من سلطة الخلافة ولا المرة اليتيمة التي ضُرب فيها، فقد سبقتها أخرى حين جاء نعي أبي ذر الغفاري، " وبلغ ذلك عثمان فقال: رحمك الله يا أبا ذر! فقال عمار بن ياسر: فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا! قال: فغضب عثمان ثم قال: يا كذا وكذا[211]أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة؟ قال عمار: لا والله ما أرى ذلك! قال عثمان: ادفعوا في قفاه، وأنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر ولا تبرحه أبدًا ما بقيت وأنا حيٌّ، فقال عمار: والله إنّ جوار السباع لأحب إلي من جوارك، ثم قام عمار فخرج من عنده. قال: وعزم عثمان على نفي عمار".[212] عمار في أيام أمير المؤمنين عليه السلام وجاءت أيام أمير المؤمنين عليه السلام ليتنفس عمارٌ الصعداء بعد هذا المسير المتعب والمنهك لما يقارب الـ 25 عاماً من زمن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، فهَشّ لها عمار وبشَّ واستبشر، ورأى أن الحق وصل لأصحابه ورجعت الخلافة إلى حيث ينبغي أن تكون. فشارك مع أمير المؤمنين عليه السلام بحماسة الشباب وهو في التسعين من العمر. فتألق عمار في هذه الفترة، وله أشعار تعبر عن انشراح صدره وخاطره في وصول الخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام بعدما تأخرت كل هذه الفترة الزمنية الطويلة. ففي فترة التحشيد لمعركة الجمل[213]أقبل إلى الكوفة وقد سمع أبا موسى الأشعري (وكان لا يزال واليًا على الكوفة) يخذّل عن أمير المؤمنين عليه السلام، فلما رآه كذلك وقد بعثه الإمام في جماعة ومعهم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وكان أبو موسى يروي عن النبي أنه قال بأن ستكون هناك فتنة يكون القعود فيها خيرا من القيام، ولا ينبغي المساهمة فيها وقد طبق ذلك على معارك أمير المؤمنين عليه السلام، فجاءه عمار وقال: يا أبا مُوسى أنشُدُكَ الله ألَم تَسمَع رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله يَقُولُ: مَن كَذَبَ عَلىَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ، وأنا سائِلُكَ عَن حَدِيثٍ فَإن صَدَقتَ وإلّا بَعَثتُ عَلَيكَ مِن أصحاب رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله مَن يُقَرَّرُكَ بِهِ، أنشُدُكَ الله، ألَيسَ إنَّما عَناكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله أنتَ نَفسَكَ، فَقالَ: إنَّها سَتَكُونُ فِتنَةٌ بَينَ أُمَّتِي أنتَ يا أبا مُوسى فِيها نائِمًا خَيرٌ مِنكَ قاعِدًا، وقاعِدًا خَيرٌ مِنكَ قائِمًا، وقائمًا خَيرٌ مِنكَ ماشِيًا، فَخَصَّكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله ولَم يَعُمَّ النّاسَ، فَخَرجَ أبُو مُوسى ولَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا».[214] فشارك في حرب الجمل مشاركة فعالة ومهمة كما شارك في صفين، وله فيها قولاته المشهورة إضافة إلى صولاته على كبر سنه، فقد قال عنه من رآه في تلك المعركة "رَأيتُ عَمّارَ بنَ ياسِرٍ يَومَ صِفِّينَ شَيخًا طُوالًا أخَذَ الحَربَةَ بِيَدِهِ ويَدُهُ تَرعَدُ، فَقالَ: «والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَقَد قاتَلتُ بِهَذِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذِهِ الرّابِعَةُ» ثُمَّ قالَ: «والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو ضَرَبُونا

--> 210 ) الدينوري، ابن قتيبة: الإمامة والسياسة،(تحقيق الزيني)١/ ٣٦ 211 ) كلمة شتيمة قبيحة 212 ) ابن أعثم الكوفي، أحمد: الفتوح ٢/ ١١٢ 213 ) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ١/ ٩ كان أمير المؤمنين قد بعث محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة، استنفرا الناس، فدخل قوم منهم على أبي موسى ليلا، فقالوا له أشر علينا برأيك في الخروج مع هذين الرجلين إلى علي عليه السلام، فقال أما سبيل الآخرة فالزموا بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فاشخصوا معهما فمنع بذلك أهل الكوفة من الخروج وبلغ ذلك المحمدين، فأغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله إن بيعة عثمان لفي عنق عليّ وعنقي وأعناقكما، ولو أردنا قتالا ما كنا لنبدأ بأحد قبل قتلة عثمان فخرجا من عنده.. فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن وعمارا بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة، لعزل أبي موسى الأشعري عن الكوفة.. ويفترض أن نقاش عمار لأبي موسى وتوجيهه حديث رسول الله إليه خاصة كان في هذه القضية. 214 ) ابن عساكر؛ أبو القاسم: تاريخ دمشق ٣٢/‏٩٢، والسيوطي: الجامع الكبير٢١/‏684